الجزء الثاني- أحببتها في انتقامي

بعد أن دمر مالك سمعتها تماماً فأشاع أنها امرأة وصولية فاسدة تعشق المال وتفعل أي شيء من أجله وأعلن خطبته على ابنة أحد الأعيان وطعن قلبها الميت بسكين الغدر،

أخذوها الى غرفتها وهي ترتدي فستان العروس الأبيض الذي حلمت به يوماً ،

دخل عليها مالك مخموراً بالقوة والغطرسة
قال لها وهو يربط يديها : لن أسمح لأحد أن يعطل خطبتي فإن لم تكوني لي لن تكوني لأحد…

واقترب منها بالقوة، بدأت بالصراخ وبمحاولة ابعاده عنها لكنه أخذها قسراً وهنا اكتشف المفاجأة المدوية:

الدماء برهنت أنها مازالت عذراء….بريئة من كل اتهام اتهمه بها زوجها السابق وابن عمه.
فتجلت الحقيقة المرة أنها هي الضحية التي دمرها ظلمه،
توقف فجأة ينظر الى دماء براءتها، ارتعد وتراجع الى الوراء
ماهذا؟!! كيف؟!!!

نظرت اليه دلع بعينين مليئتين بالألم والكرامة : لأن كل ماقلته عني أنت وابن عمك كان كذبة وها أنت ترى الحقيقة الآن..
سقط على ركبته يبكي مثل الأطفال:
اغفري لي لم أكن أعلم

لكنها قاطعته بنظرة باردة : بل كنت تعلم في أعماقك أنني بريئة لكنك فضلت أن تصدق كذبتك وتنتقم مني بعد أن جعلتني أحبك…ابن عمك قد دمر جسدي لأنني لم أحبه يوماً أما أنت فقد دمرت ماتبقى من روحي وجرحت قلبي فلو نظرت لي بعين الانصاف لا عين الانتقام لوجدت الزهرة التي بحثت عنها طوال حياتك.

بعد ليلة الظلم التي عاشتها لم تستطع البقاء في القصر ففي منتصف الليل بينما كان مالك غارقاً في ندمه وخجله جمعت القليل من متاعها وهربت في الظلام.

وجدت مأوى في قرية نائية حيث عملت خياطة متواضعة، مرت الأيام القاسية عليها لكن الحرية كانت تعوضها عن كل شيء حتى بدأت تلاحظ تغيرات غريبة على جسدها غثيان الصباح والدوخة المتكررة والارهاق غير المعتاد.

ذهبت الى طبيبة القرية فأخبرتها بأنها حامل
سقطت على الكرسي لاتصدق ماتسمعه…كيف تحمل من رجل اغتصبها ودمرها؟!!! كيف تحمل طفلاً يذكرها بأقسى ليلة في حياتها،
كانت تنظر الى بطنها وعينيها تملؤها الدموع وتهمس:” أنت جزء من أمك ولكنك جزء منه أيضاً …كيف أحبك وأنا أكره من وضعك في أحشائي”

مرت الأشهر ومالك لم يترك مكاناً إلا وبحث عنها، اكتشف عندما فقدها أنه يحبها…..أحبها في انتقامه. .
الى أن سمع بإشاعة عن امرأة تشبهها في قرية مجاورة، ذهب مكلوم النفس يبحث عن غفران لم يجده،

رآها إنها هي حبيبته، رأى انتفاخ بطنها ووجهها الأصفر فأدرك في الحال أنها تحمل طفله.
دلع”…. قالها بصوت مكسور…سقط على ركبتيه يطلب السماح في منتصف السوق لايبالي بنظرات الناس.
أطلب فرصة لأثبت أنني يمكن أن أصبح أفضل من ذلك الرجل الذي كنته ثم نظر طويلاً الى بطنها المنتفخ

وقال هل هذا طفلي؟!
نعم أنت أب هذا الطفل ولكن لن يكون لك أي حق فيه…

تركته في السوق ورحلت الى كوخها الصغير تضع يدها على بطنها وتهمس لطفلها: سأحبك دائماً وسأخبرك يوماً أن والدك تعلم معنى الندم لكن بعض الدروس تأتي بعد فوات الآوان

أما مالك أصبح يزور القرية كل أسبوع يترك الهدايا والطعام عند باب كوخها.

ولدت الطفلة أمل في ليلة مقمرة حضنتها دلع وتعهدت أن تعلمها الكرامة قبل المشي والقوة قبل الكلام.
لم تسامحه رغم محاولاته المتكررة لكسب ودها وكان يرى ابنته تنمو يوماً بعد يوم من بعيد.

بعد عشرين عاماً أصبحت أمل شابة متعلمة سألت أمها في أحد الأيام لماذا لم تسامحيه؟؟؟
أجابتها دلع: الحب ليس اجبارياً ياابنتي والغفران ليس ضرورياً أعظم كرامة للمرأة هي أن تختار مشاعرها بحرية.

ذهبت أمل لريارة مالك وجدته شيخاً يجلس على شاطئ البحر يكتب اسمها على الرمال كل يوم ليمحوه الموج
قالت له: أمي لم تسامحك لكنها علمتني أن أحبك..
بكى مالك بحرقة، في تلك اللحظة أدرك أن دلع منحته أعظم هدية..ابنة تعرف الحب دون شروط.

أما دلع كانت تجلس كل مساء على شرفة كوخها تشاهد البحر وهو يمحو آثار الأقدام على الرمال وشعرات الشيب قد توجت رأسها باكليل من الكرامة ، كانت تبتسم لأن الحياة منحتها أعظم انتصار : أن تعيش بكرامة وأن تزرع في ابنتها قيماً لن يمحوها الزمن.

بعد سنوات طويلة في ليلة ممطرة اقترب منها مالك للمرة الأخيرة كان الظلام قد غطى نصف وجهه والمرض قد أنهك جسده، لم يعد ذلك الرجل المتغطرس بل أصبح ظلاً له.
دلع”…قالها بصوت أجش لست هنا لأطلب الغفران بل لأقول لك شيئاً واحداً فقط لقد كانت رحلتي مع الندم أقسى من أي عقاب كانت ستختارينه لي.

نظرت له في صمت ثم همست : أتعلم ما أقوله لأمل عنك؟
أقول لها: كان أحمقاً وظالماً لكنه أحبك بصدق في النهاية.

قبل أيام من وفاته ترك لها رسالة مع ابنتهما أمل:
لدلع…..الوردة التي لم أنسق في قطفها
أخيراً فهمت…لم يكن انتصاري أن تعودي إلي
بل انتصارك أن تبقي كما أنت…كربمة وشامخة
شكراً لأنك علمتني أن الحب الحقيقي هو أن أتمنى لك السعادة حتى ولو لم أكن جزءاً منها.

مات مالك وحيداً لكن دلع أتت لزيارة قبره ووضعت وردة بيضاء على شاهدة القبر وقالت:
سلاماً أيها الرجل المعقد…لقد سامحتك منذ زمن
لكن اخترت أن ابقى حرة

لأن بعض القصص يجب أن تنتهي كما بدأت…امرأة قوية وذكرى تبقى درساً.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!