حكاية من دفتر العار:

كان أحمد ينظر الى نور من نافذة غرفته كأنما ينظر الى قمر حجب خلفه سحابة رصاصية، أحبها منذ الصغر مذ كانت في المدرسة لكن صمتها الواثق وتربيتها كانا سداً منيعاً بينهما، لم تجبه يوماً بنظرة فكان صمتها سكيناً في خاصرته.

في ليلة مظلمة بعد أن ثمل حتى ثقل لسانه وضاقت به الدنيا وجد نفسه عند باب منزلها لايذكر كيف أصبح في غرفتها وجدها نائمة، استيقظ ضميره فجراً على وقع صراخها وخوفها بعد أن سلب منها برائتها، فهرب كاللص تاركاً جرحاً لن يندمل وفتاة محطمة ومجتمعاً يهمس بالعار وينسى الرحمة.

في تلك القرية الصغيرة حيث تخيط الألسن الأكفان قبل الأجساد لم يكن هناك مكان ل نور بعد أن اكتشفت عائلتها “العار” فكان الحل سريعاً وقاسياً تزويجها لأمين ذلك الرجل العجوز الذي يبحث عن خادمة وشريكة فراش مقابل أن يغطي على الفضيحة ويصون ماتبقى من شرف.

في ليلة زفافها كان أمين يستقبل الضيوف بابتسامة منتشية بأنه سوف يتزوج أجمل فتاة في القرية. وكانت نور ترتدي ثوب عرسها الأبيض وكأنه كفن،

نظرت الى وجهها الشاحب في المرآة ورأت عيون طفلة انتهكت وامرأة تدفن حية. في لحظة يأس قررت الهروب من النافذة الخلفية الى العالم المجهول، لم يكن لديها مال ولاخطة فقط مايدفعها هو خوفها.

ركبت القطار وأعطت الطوق الذي برقبتها لموظف قطع التذاكر ليدعها ترحل بعيداً ، وصلت الى المدينة ووجدت نفسها أمام فندق رخيص، هناك التقت ب سمر امرأة أنيقة برائحة عطر فاخر وابتسامة لاتصل الى عينيها

عرضت عليها الغرفة والطعام والعمل فشعرت نور بأنها وجدت مأوى في بحر متلاطم.
لكن المأوى كان قفصاً ذهبياً فسمر لم تكن سوى مديرة لبيت دعارة متخفي ولم تكن تريد من نور أن تعمل كخادمة بل تريد جسدها لبيعه كسلعة رخيصة.

عندما رفضت نور تحولت سمر من امرأة متعاطفة الى جلاد، حبستها في قبو مظلم لم تترك أداة تعذيب إلا وجربتها على جسدها، أحرقت جلدها الناعم بأعقاب السجائر وجلدتها بالسياط، كانت تهمس في أذنها وهي تجلدها:

” جسدك أصبح نجساً لامكان لك إلا هنا استسلمي فالشرف الذي تبحثين عنه قد ضاع في تلك الليلة “.

وصلت نور الى أعلى درجات اليأس موشكة على الاستسلام للعار أو الموت لكن من خارج النافذة المعتمة سمعت صوتاً يعرفه قلبها قبل أذنيها…

صوت أحمد الذي كان يبحث عنها منذ أن اختفت حتى قادته الصدفة الى ذلك الحي الرديء وسمع من أحدهم عن فتاة جديدة تدعى نور.

اقتحم أحمد المكان كالإعصار حملها كجثة هامدة بين يديه، محروقة، مجروحة، عيناها خاويتان…وهرب بها الى المشفى حيث أصبح خادمها وممرضها.

الأيام تمر وجسد نور يشفى ببطء لكن روحها مقغلة بسبعة أقفال، كان كل يوم يتوسل لها، يبكي، يعترف بجريمته، يخبرها أن الندم أصبح ماؤه وخبزه.

لم ييأس فقد كان همه أن تسامحه ويجد الغفران الذي يطلبه، ترك عمله، باع كل مايملك ليعيلها، يحضر طعامها المفضل ، ويجلس ساعات بصمت عند قدميها، يصلي ويطلب المغفرة من الله ثم منها متوسلاً أن يأخذ الله عمره ويعيد طهارتها المسلوبة.

شاهدت نور ندمه وعذابه الحقيقي، رأت أنه لم يكن وحشاً بل كان انساناً ضعيفاً سقط في بئر الخمر والخطيئة.

لم يكن الغفران لحظة درامية بل كان قراراً ، قرار بأن تختار الحياة على الموت والرحمة على الانتقام فهمست له بأن يتوقف عن البكاء.

تزوجها بقران شيخ وشاهدين فكانت بداية جديدة لهما من رماد الماضي.

لم تنس نور أبدا مافعل بها فالجرح كان عميقاً جداً ليتلئم دون ندبة لكن تعلمت أن الندبة ليست عاراً بل هي شهادة على القوة والنجاة.

وأدرك أحمد أن المغفرة ليست محواً للذنب بل هي جسر تبنى فوق الفاجعة يسير عليه الاثنان معاً حاملين أثقال ماضيهم ومحدقين نحو المستقبل المشترك.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!