في الأزقة الضيقة حيث ألوان جدران الغرفة رمادية من كثرة الدخان عاش طارق طفولته في بيت لايكسر صمته إلا صوت قناني الخمر الفارغة التي تسقط من يد والده بعد أن يثمل، وصوت أنين أمه المريضة التي أنهكها الفقر والسقم.
في كل صباح بعد أن يستيقظ الأب مصاباً بالصداع من أثر السكر يبدأ بضرب طارق وتعنيفه وسب زوجته المريضة،لكن هذا الصباح تلقى طارق كلمات والده بصدمة عندما قال له : المدرسة انتهت، ستقف في قارعة الطريق وستعمل بمسح زجاج السيارات وتأتيني بالمال.
تمر الأيام ويقف طارق تحت الشمس الحارقة، يركض خلف السيارات بقدمين حافيتين ويمد يده الصغيرة نحو زجاج متسخ ليمسحه عله يحظى بقطعة نقود رغم نظرة الازدراء التي يتلقاها والسباب من أصحاب السيارات ليبتعد.
وفي يوم ممطر بينما طارق ينظف زجاج السيارات فتح سائق السيارة الباب وقام بضربه وسبه لان الزجاج اتسخ أكثر وطلب له الشرطة…رغم اعتذار طارق لكن لم تشفع له دموعه وترجيه للرجل أن يغفر عنه.
وقف الشرطي ليسجل اسم هذا الطفل المتشرد وسأله: أين أهلك ياولد؟! أخفض طارق رأسه خجلاً وسرد له حكايته فحزن الشرطي عليه وأخذه الى مركز دار الأيتام وأطفال الشوارع.
بعد أن وجد طارق في المركز ملاذه الآمن من التشرد وكان الشمعة في نهاية النفق المظلم ساعده العاملون هناك لاستئناف دراسته وقدموا له طعاماً نظيفاً ومأوى آمناً ينام فيه.
وبعد علاج الأم حيث كانت صحتها متدهورة ونقلها الى المشفى قاموا بوضعها بمركز تابع للأسر المحتاجة كي لاتعود للعيش في بيئة مسممة مع ذاك الأب المدمن.
سنين مرت لم يعد طارق ذلك الطفل الخائف من الطريق بل يقف اليوم يرتدي زي التخرج من الجامعة وأمه جالسة في الصفوف الأولى عيناها يفيضان من دموع الفرح مع ابتسامة لم يرها طارق منذ طفولته حيث ترى ابنها يحقق ماحلمت به دائما فكان مصدر فخرها.
وأثبت طارق أن من قاع البؤس يمكن أن تبنى قمم النجاح ….وأن الارادة هي أقوى من كل الظروف…. وأن يد العون قد تأتي من حيث لانحتسب.