وداد الشيطان

في ليلةٍ كانت السماء تمزّق فيها عباءتها السوداء، كان المطر لا ينزل، بل كان ينهمر دمعاً أسوداً.

لم أدرِ أيُّ الدمعين كان أغزر: دموعي أم دموع السماء؟ كأن الكون بأسره يبكي معي على فراق ابني “دانيال”.

لم أعلم أنني سأفتح الباب في تلك الليلة ليس لطفلٍ ضال، بل لأسوأ كابوس يمكن أن يطرق قلب أم.

ظننتُ أن القدر يعوضني عن فقدي، لكنني لم أعلم أن بعض العطايا سمومٌ مغلَّفة بغلاف البراءة.

في خضمِّ ذلك الضجيج المائي، وجدت نفسي واقفة على العتبة، أرتجف من البرد ومن هول الفراغ الذي خلّفه رحيل دانيال. فراغٌ أشبه بقبرٍ واسع يسكن أحشائي، وحفرة في قلبي لا تُردم.

وبينما كنت أحاول إغلاق الباب، رأيته… طفلاً صغيراً لا يتجاوز الخامسة، واقفاً في قلب العاصفة، شاحب الوجه، عيناه الواسعتان تملؤهما براءة مخيفة. لم ينطق بكلمة، بل مدَّ يده الصغيرة نحوي.

لم أتردد، فأي أم قد ترفض طفلاً تائهاً في مثل هذا الطقس؟ في لحظة جنون، أمسكته وأدخلته إلى منزلي الدافئ. كان كالنجمة التي أضاءت سمائي المظلمة…

سميته “آدم”، وبدأت أعتني به كما لو كان دانيال قد عاد من جديد. ملأت غرفته بالألعاب والثياب، لكن شيئاً ما لم يكن طبيعياً. كان هادئاً بشكل مرعب، لا يبكي، لا يضحك، نادراً ما يتكلم، ويحدق في الفراغ لساعاتٍ كأنه في عالم آخر.

ثم بدأت الحوادث الغريبة… همسات في الليل تأتي من غرفته، أصوات متداخلة كحوار بين كائناتٍ صوتها ضخم.
استيقظت مرة على صوت خدش طويل على باب غرفتي، وعندما فتحته وجدت آدم واقفاً مبتسماً بتلك الابتسامة المسطحة التي لا تصل إلى عينيه.

تصاعد الأذى… أصبحت أستيقظ وأنا أختنق، كأن ثقلاً جاثماً على صدري يحاول انتزاع أنفاسي الأخيرة. ظهرت كدمات زرقاء على ذراعي بشكل أصابع صغيرة، ورأيت ظلالاً تتحرك في المنزل وتختفي عندما ألتفت إليها.

ها هو آدم يقف شاهداً على جراحي، يتغذى على أحزاني بلوعة الجائع للفتات. عيناه كبئرين مظلمتين تختفي في قاعهما كل معاني الطفولة. همساته الليلية سكاكين تخدش صمت المنزل، وكدماته على جسدي كالورود السامة التي تنمو في حديقة حزني.

ذات ليلة، نزلت إلى المطبخ لأجده واقفاً في الظلام، محاطاً بسكاكين المطبخ المرتبة بشكل دائري، وهو يهمس بلغة غريبة لم أسمعها في حياتي. عندما أحس بي، التفت إلي بعينين سوداوين – قد تغير لون عينيه البنيتان.

“ما بك بني؟” قلتُ له.

“لا تقولي بني، فأنت لست أمي الحقيقية”، همس بصوته الطفولي، لكن الحقد الذي فيه كان يشيخه آلاف السنين.

أدركت وقتها أنه ملبوس، وأنه كيان أكثر خبثاً، يتغذى على الحزن والألم.

كان عقلي يصرخ: “اقتليه، تخلصي منه!”، لكن يداي ترتجفان. كيف أقتل طفلاً؟ كيف أرفع السكين في ذلك الوجه الذي يشبه وجه دانيال؟ حتى لو كان مسكوناً، فهو طفل صغير. ربما يمكنني مساعدته وطرد هذا الكائن؟

لكن آدم رأى ترددي وخوفي، فهجم علي ودفعني عن الدرج وأنا أحاول الهروب. كاد ظهري ينكسر، ثم أحرق كل صور دانيال. وضع أصابعه الصغيرة حول عنقي – لم تكن قوته قوة طفل – وعيناه تحدقان بي بكراهية لا توصف.

همس: “أنت تفتقدين رائحة دانيال… رائحة الموت كانت حلوة عليه. دعيني أريك كيف رائحته الآن…”

وفي تلك اللحظة، شممت رائحة كريهة كرائحة لحم محروق ومتعفن، ورأيت ظلاً شاحباً لدانيال مشوهاً ينظر لي بتوسل.

صرخت ودفعته بعيداً بقوة، سقط على الأرض وانطلق ضحك حاد لا يشبه أي صوت بشري.

أنا الآن جالسة في غرفتي والباب مقفول. أعلم أنه لا يمكنني قتله، ولا يمكنني التضحية بجسد هذا الطفل حتى لو كانت روحه ملعونة. وأعلم أيضاً أنه سيدمرني، ويستهلك كل ذرة حب وألم في داخلي.

“أمي، افتحي الباب، أريد اللعب معك…

” “أمي، أرجوكي…”

إنه لا يريد أن يلعب، بل يستعطف أمومتي لأفتح له الباب وينهي ما بدأه.

أنا محبوسة في غرفتي، أدرك أن أشكال الرعب فتكاً ليس الوحش الذي يهاجمك، بل الوحش الذي تضطر لاحتضانه وتسميه ابني… وأدرك أنني لن أستطيع الهروب. ربما سأفتح الباب وأرحب بمصيري، حتى لو كان الشيطان يلعب بلعبة الأطفال.

لقد أصبحت سجينة رحمتي، ورهينة حبي لذكرى ابن لا يشبه هذا المخلوق في قبح هيئته الخارجية وجوهره الشرير.

وداد وو

وداد الشيطان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!